العودة إلى المقالات الخطوط العربية

الفرمان العثماني: ثلاثة خطوط في وثيقة واحدة

قراءةٌ في الفرمان السلطاني العثماني الذي يجمع ثلاثة خطوط في وثيقةٍ واحدة (الطغراء، وجلي الديواني، والديواني)، وبيان جوانب دراسته: الدبلوماتيك (علم الوثيقة)، والباليوجرافيا، والدراسة الكاليجرافية الجمالية.

هذا «فرمانٌ سلطاني» عثماني يتكوّن من ثلاثة خطوط رئيسية: الطُّغراء، وجليّ الديواني، وأخيرًا الديواني. وقد تجد الفرمان مزخرفًا وقد لا تجده كذلك، لكنّ الثابت هو استخدام هذه الخطوط الثلاثة. والطُّغراء ليست خطًّا بالمفهوم الدارج للخط، بل هي مصطلحٌ لتكوينٍ فني يدمج بين خطَّي الثلث والإجازة ليُنتج ذلك البناء الهرمي الدالّ على سلطان الدولة العثمانية.

أما السطر الثاني فهو خط الجليّ الديواني، ويحمل العبارة التالية: «نيشان شريف الشأن سامي المكان، سلطاني وبه أمر خاقان العالم، لينفذ بالعون الرباني وبالأمر والفرمان العالي» — وهي ترجمةٌ للنص العثماني.

والأسطر الأخيرة هي «متن الفرمان»، أي القرار؛ سواء أكان معاهدةً أم ولايةً أم براءة، والنصوص في ذلك كثيرة، ويختلف عدد الأسطر من نصٍّ إلى آخر.

وتُدرَس هذه القطعة من عدة جوانب: أولها الجانب الدبلوماتيكي (Diplomatics) الخاص بعلم الوثيقة؛ وثانيها علمٌ يُسمّى الباليوجرافيا (Paleography)، وهو علمٌ يبحث في تطوّر الحرف من عصرٍ لعصر أو من مكانٍ لمكان دراسةً مقارنة؛ وأخيرًا الدراسة الكاليجرافية (الجمالية)، ومنها تأثير خطّاطٍ قوي «طُغراكِش» مثل راقم أو سامي، وطريقة كتابة الخط الديواني والفرق بينه وبين المدارس العثمانية المختلفة، أو الفرق بين الديواني المصري والعثماني؛ والغرض من الدراسة الكاليجرافية هو الجمال.

ومشكلة الباحث في الجمال أن يدخل منطقة الدبلوماتيك وهو غير مستعدٍّ بالعلم الكافي، فكلّ إشارةٍ تحمل دلالة؛ وكذلك المتمرّس في الخط العربي حين يدخل الموضوع دون خلفيةٍ تاريخية وحضارية جيدة، فيبدو الأمر صعبًا غير مفهوم. لكنّ هذا العلم قيّض له رجالٌ محترمون قضوا حياتهم في البحث والدراسة — أمدّ الله في عونهم — منهم: الدكتورة سلوى علي ميلاد، والدكتور أحمد المصري، والدكتور محمد بيومي، والدكتور إدهام حنش، ومن الخطاطين كثيرون.

إنّ علم خطوط الوثائق والمخطوطات من العلوم الجميلة الميسورة، لكنّ المهم أن تكون مُلمًّا بأدوات الدرس جيدًا قبل البدء. والفرمان المرفق يعود إلى عصر السلطان عبد المجيد، ويمنح وسام «المجيدية».

صباح الخير الفرمان المرفق من عصر السلطان عبد المجيد، بمنح الوسام المجيدي