أُلقِيت هذه المحاضرة ضمن «دورة المصاحف: تاريخ وخصائص» التي نظّمها مركز المخطوطات ومركز دراسات الخطوط بمكتبة الإسكندرية (أغسطس 2018)، وقدّم فيها الدكتور محمد حسن هذه الجلسة المخصّصة لعلم الباليوجرافيا وتطوّر المصاحف المبكرة. وتُستكمل فيها دراسة تاريخ «المصاحف المخطوطة» مع التركيز على أهمية الباليوجرافيا في تأريخ النصوص وتحديد هويتها الجغرافية، واستعراض نظرية العالم الفرنسي فرانسوا ديروش (François Déroche) في تطوّر المصاحف في العصرين الأموي والعباسي. وفيما يلي وثيقةٌ مُنظَّمة لمحاورها الرئيسية، تُتيح قراءتها نصًّا إلى جانب مشاهدتها كاملةً في الفيديو أعلاه.
تُعدّ دراسة الخطوط العربية القديمة والمخطوطات القرآنية من أعقد فروع المعرفة التي تتقاطع فيها الفنون مع التاريخ والعقيدة والهندسة. وتتناول هذه المحاضرة تأصيلاً دقيقاً لعلم الباليوجرافيا (Paleography) في السياق الإسلامي، مع تسليط الضوء على تطوّر المصاحف في العصرين الأموي والعباسي استناداً إلى نظرية العالم الفرنسي فرانسوا ديروش (François Déroche)، واستعراض المنهجية الأكاديمية المطلوبة لدراسة فتراتٍ تاريخية محددة (كالعصر المملوكي)، وكيفية قراءة التطوّر البصري والتقني لأدوات الخطاط.
المحور الأول: التأصيل المنهجي لعلم الباليوجرافيا
يُعرَّف علم الباليوجرافيا بأنه العلم الذي يهتمّ بتحديد الزمان والمكان والفنون المتعلقة بالكتابة، بحيث تُدرَس القطعة المخطوطة أو المنقوشة وفقاً للأسس التاريخية والحضارية التي سادت في عصرها. ويرتكز على عمودٍ فقري أساسي هو «علم الخطاطة» (Calligraphy Science)، يُضاف إليه فرعان بالغا الأهمية:
- خَطّ العِلم (Scienceʼs Script): المصطلحات وطرائق التدوين والتقييد التي تعارف عليها أهل تخصّصٍ أو صنعةٍ معينة (مثل لغة الورّاقين والنسّاخ).
- خَطّ العالِم (Scholarʼs Script): الأسلوب الفريد الذي اشتهر به عالِمٌ معيّن في تدوينه وتقييده، بحيث لا يفهم رموزه ومختصراته إلا تلاميذه ودائرته المقرّبة.
الدعائم العشر لعلم الخطاطة
لا تقتصر دراسة الخطاطة على شكل الحرف، بل تمتدّ لتشمل عشرة روافد معرفية وتطبيقية:
- نتاج الخطاط والشجرة الخطية: دراسة الإرث الخطي المتمثّل في كراسات التعليم (المشق)، واللوحات الخطية، والرسائل التعليمية (مثل «أرجوزة النسّابة»).
- المخطوطات القرآنية: قمة الهرم في دراسة الباليوجرافيا؛ فالمصحف هو المخطوط المُجوَّد الذي تعكس دراسته كافة فنون العصر من زخرفةٍ وتجليدٍ وأنواع كتابة.
- المخطوطات الخزائنية (Treasury Manuscripts): المخطوطات الفاخرة التي كُتبت بأوامر السلاطين والأمراء لتُحفظ في الخزائن الملكية (مثل «صحيح البخاري» الذي نسخه الخطاط الشهير حسن الرضا في العصر العثماني).
- العمائر والنقوش (Architectural Inscriptions): لا يمكن فصل الخطاط على الورق عن الخطاط على العمائر؛ وتمثّل أعمال الخطاط عبد الله زهدي (الذي استدعاه الخديوي إسماعيل) في المسجد النبوي، و«سبيل أم عباس»، و«سبيل الشيخ صالح أبو حديد» أمثلةً حيّة على ذلك.
- علم الوثائق (Diplomatics): دراسة أنظمة الحضارة الإسلامية في أضابير الدولة (في المشرق والمغرب)، وأنواع الخطوط المستخدمة في التأشير والتوقيع.
- الشعارات الملكية (Royal Emblems): وتتضمّن الطُّرَز والرنوك والمونوغرام والطغراء، وتُدرَس عادةً في حَرْدَة المتن (Colophon) أو صفحات البداية.
- التحف المنقولة (Moveable Artifacts): دراسة النقوش على العاج في الأندلس (الذي كان يُجلب من إفريقيا لصناعة حُلي النساء ويُكتب عليه بالخط الكوفي المورّق)، والخزف الإيراني المُطوَّق بالخط الكوفي الدائري (كما في رسالة د. شبل عبيد بجامعة القاهرة)، والمقالم النحاسية المُكفّتة بالذهب والفضة، والأدوات الزجاجية والمشابك.
- الفكر والعقيدة (Ideology & Beliefs): فالعقيدة تُشكّل شكل المخطوط؛ إذ لا يمكن دراسة الخط الفاطمي دون فهم الفكر الشيعي الإسماعيلي (وجهود معهد الدراسات الإسماعيلية)، ولا دراسة الخط العثماني دون فهم ارتباط الخطاطين بالطرق الصوفية (كالرفاعية والبكتاشية).
- المواد الخام (Raw Materials): دراسة تاريخ الورق وصناعة البردي (Papyrology)، وقد كانت مصر المحطة الأهم لتصديره.
- الزخارف (Illuminations): دراسة الزخارف القرآنية المبكرة ومرجعياتها البصرية المستمدّة من حضاراتٍ سابقة.
المحور الثاني: دراسة حالة باليوجرافية — المصحف في العصر المملوكي
لتقديم دراسةٍ باليوجرافية ناضجة عن المصاحف خلال العصر المملوكي (1250–1517م)، يجب بناء إطارٍ معرفي تتقاطع فيه المصادر التاريخية مع الفنية:
المصادر الأدبية والتاريخية
قراءة المؤلفات التاريخية لمعرفة سياق الوراقة والنساخة، مثل: «السلوك لمعرفة دول الملوك» للمقريزي، و«النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي، و«بدائع الزهور» لابن إياس؛ إلى جانب موسوعة «صبح الأعشى» للقلقشندي (الجزء الثالث تحديداً) التي وثّقت تطوّر الكتابة الوثائقية و**«الأقلام الستة» (The Six Pens)**: الثلث، والنسخ، والرقاع، والتواقيع، والريحان، والمحقّق، التي سادت ديوان المماليك في مصر والشام.
أدب الخطاطة والمخطوطات التأسيسية
- «رسالة في الخط وبَري القلم» للخطاط المملوكي ابن الصائغ، التي حقّقها بشكلٍ نموذجي د. فاروق سعد.
- «جامع محاسن كتابة الكُتّاب»: كتابٌ مفصلي يتطلّب الرجوع إليه الاستعانةَ بثلاثة تحقيقاتٍ معاً لتكتمل الرؤية:
- تحقيق د. صلاح الدين المنجّد (1967): يؤسّس للإطار الفكري والنظري، رغم رداءة الطباعة آنذاك.
- تحقيق الخطاط رعد الحسيني: يمثّل رؤية «الخطاط» الذي يدرك قواعد الخط الخفية، رغم غياب الألوان عن طبعته.
- تحقيق د. عبد العزيز المانع: الذي أتاح نسخةً مصوّرة طبق الأصل وملوّنة (Facsimile) للنسخة المحفوظة في متحف طوب قابي سراي بإسطنبول، وهي الحُجّة البصرية.
الدراسات الحديثة والاستشراقية
- «روائع التذهيب القرآني» للمستشرق الذي أسلم مارتن لينغز (Martin Lings)، في طبعةٍ أنيقة لدار المكنز.
- دراسات ديفيد جيمس (David James) حول المصاحف المملوكية (The Qurʼans of the Mamluks).
- أطروحة شيرين المتيني (كلية الفنون الجميلة بالزمالك — جامعة حلوان) حول المصحف وتأثيره في الفنون المعاصرة.
- دراسات د. نصار منصور (جامعة آل البيت بالأردن)، وهو أستاذٌ أعاد إحياء «خط المحقّق» واستخرج له «مشقاً خطياً» (قاعدةً لتعليم الطلاب)، وأشرف على رسائل متخصصة حول «السرلوحة» (Sarloha) — وهي صفحة الصدر المزدوجة في المصاحف المملوكية (الفاتحة وأول البقرة).
قراءة الوثائق والمخطوطات
لا تكتمل الصورة إلا بدراسة وثائق العصر، مثل:
- الوثائق المحفوظة في دير سانت كاترين، التي تكشف أسرار كتابة البسملة بالخط المُوقَّع والمدموج.
- توقيعات السلاطين (كتوقيع السلطان قلاوون)، واستخدام النسّاخ سطوراً مائلة في المساحات البينية للوثائق لمنع التزوير وإضافة النصوص.
- أطول نقشٍ مدوّن في التاريخ (13 متراً) للسلطان قلاوون، ويتضمّن العبارات التكريمية والتشريفية.
- حافظة مصحف السلطان الغوري الضخمة المحفوظة حاليّاً في جامعة مانشستر.
المحور الثالث: عقلية الخطاط وجغرافيا الخطوط
يجب على الباحث الباليوجرافي أن «يُعاني ويفكّر كما يفكّر الخطاط»، عبر فهم:
- الأدوات والمواد: دراسة الورق المُقهَّر، وأنواع سُنون الأقلام (المعدنية واللازوردية)، وطرائق «قَطّ القلم» (Pen Cutting) — ويُعدّ الأستاذ محمد المغربي أبرز أساتذتها المعاصرين — إضافةً إلى جهود باحثين مثل الأستاذ بلال (مدرسة محمد إبراهيم للخط) في جمع سُنون الأقلام من عصر سعد زغلول والملك فؤاد، واستخدام أقلام «الجاوة» (المستوردة من إندونيسيا وتُباع بالسنتيمتر).
- المقاسات والأبعاد (Dimensions): إدراك حجم المخطوط الأصلي لقراءته قراءةً صحيحة، وعدم الاعتماد على الصور الرقمية وحدها.
- التشريح والتنميط (Typology): فهم الفروق الدقيقة؛ فكتابة البسملة بالخط الديواني تختلف كليّاً عن كتابتها بالنمط «الديواني المسلسل» (كما كتبه الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي في العصر العثماني) حيث تندمج الحروف بتعقيدٍ جمالي.
- جغرافيا الخط: مصطلح «خط النسخ» غير كافٍ أكاديميّاً؛ فنسخ العصر العباسي (كما في مصحف ابن البوّاب — أول مصحفٍ يُكتب بخط النسخ لجلاله ليكسر احتكار الخط الكوفي/الجليل) يختلف عن النسخ العثماني (مدرسة محمد شوقي)، ويختلف جذريّاً عن النسخ الفارسي (مدرسة أحمد النيريزي في إيران) الذي احتفظ ببصمةٍ فارسية خاصة.
- تنوّع الأشكال: ومن أمثلته المصحف المكتوب بخط «النستعليق» (النسخ المُعلَّق) الذي كتبه الخطاط السكندري الأستاذ محمد إبراهيم عام 1945م إهداءً للملك فاروق بمناسبة بلوغه الخامسة والعشرين، وطُبِع في مطبعة المساحة/الأميرية بعد مراجعته من مقارئ المقارئ، ووُزّعت نسخه بين جامعة الدول العربية، ومكتبة الكونجرس، ومكتبة الإسكندرية.
المحور الرابع: تطوّر المصاحف المبكرة (نظرية فرانسوا ديروش)
بينما تفتقر مصاحف العصرين الأموي والعباسي إلى التواريخ المدوّنة، فإن الباليوجرافيا هي ما يؤرّخ لها بناءً على التطوّر التقني، وفق نظرية فرانسوا ديروش (François Déroche):
الخط الحجازي (المرحلة الوحشية / Untamed Script)
- المواصفات البصرية: يتميّز بالقطع الطولي للصفحة (Vertical Format)، وانكفاء الحروف وميلها نحو اليمين (بما يتوافق مع وصف ابن النديم في «الفهرست»).
- وحشية القلم: سُمّي «وحشيّاً» لغياب التذويب والتهذيب؛ فالخطاط كان يكتب بكامل سُمك القلم (ثلاثة أثلاثه) دون رفع السنّ لتكوين خطوطٍ رفيعة (ثُلث السُّمك) في حروفٍ كالواو.
- نماذج مهمة: المصاحف المحفوظة في سانت بطرسبرغ، والمكتبة البريطانية، ومخطوطة هايدلبرغ التي عمل عليها د. بشير الحميري.
دخول «الصنعة الخطية» والتجويد
- القطع العرضي: تحوّلت المخطوطات إلى القطع العرضي (Horizontal Format).
- هندسة الصفحة: ظهرت الإطارات، واستواء السطور، والتناغم بين الكلمات بدلاً من التضاغط العشوائي.
- تجويد الحروف: أتقن الخطاط توجيه القلم؛ ففي حرف القاف صار يستخدم ثُلث سُمك القلم لبداية الحرف ثم كامل السُّمك لاستكمال الاستدارة، وتقلّص حجم «ذنب الألف» المتّكئ تدريجيّاً حتى صار عموديّاً مستقيماً. وفي هذا السياق يجب إدراك مسمّيات أجزاء الحروف كما عرّفها الأقدمون (مثل: كاسية، وزناد، وعين هِرّ).
الإعجام ونقاط الإعراب
انتقل المخطوط القرآني من غياب التنقيط إلى نقط الإعراب (دائرة أبي الأسود الدؤلي)، ثم إلى النقط الشعري/الإعجام (نظام الخليل بن أحمد الفراهيدي). وتشير الدراسات إلى أن الدولة العباسية استخدمت هذا التطوّر الفني أداةً سياسية لتأسيس خطٍّ رسمي مغاير لخطوط الكوفة التي كانت المعقل الروحي للشيعة.
تطوّرات لاحقة
- ظهور الزُّلف: بدأت تظهر «الزُّلف» (Serifs) العلوية في خط الثلث، والبدايات والنهايات الشوكية المدبّبة في خط النستعليق الفارسي.
- الكوفي المشرقي (Eastern / Iranian Kufic): نشأ في بغداد وإيران (مثل نيسابور) في القرنين الرابع والخامس، ومثّل قمة التجويد الحادّ للخط الكوفي.
- مصحف حاضنة المعزّ بن باديس الصنهاجي: (القرن الخامس الهجري)، وهو مصحفٌ بديع استطاع الخطاط المعاصر عامر بن جدّو أن يستخرج منه قاعدةً خطية (مشقاً) كاملة ليعيد إحياء هذا الخط الأندلسي/المغاربي.
خاتمة
تؤكّد دراسة الباليوجرافيا الإسلامية أن المخطوط العربي ليس مجرّد وعاءٍ جامد للنص، بل كائنٌ حيٌّ ينمو ويتأثّر بصراعات السياسة، وتعقيدات العقيدة، وتطوّر هندسة المواد ومهارات الصُّنّاع. وفي الوقت الذي تحتكر فيه الدراسات الاستشراقية الغربية — بحكم التمويل الهائل والتراكم المعرفي — إنتاج أضخم الدراسات حول مصاحفنا وتطوّرها، بات لزاماً على الباحثين والمؤسسات الأكاديمية العربية استعادة زمام المبادرة لتفكيك هذا التراث الحضاري والإنساني الهائل ودراسته وفهرسته برؤيةٍ بصرية ومعرفية رصينة.