العودة إلى المقالات علم المخطوط والباليوجرافيا محاضرة مصوّرة

دراسة خطوط المصاحف الشريفة: بين المناهج الاستشراقية والجهود العربية

محاضرةٌ للدكتور محمد حسن ضمن «دورة المصاحف: تاريخ وخصائص» بمكتبة الإسكندرية، تُقدّم رؤيةً نقدية وتاريخية في باليوغرافيا المصاحف: الفجوة بين المدرستين الغربية والعربية، ومنهجية فرانسوا ديروش، وإشكالية «القاعدة الهندسية» للكوفي المصحفي، وتحليل المصاحف الستة المنسوبة لعثمان بن عفان.

أُلقِيت هذه المحاضرة في اليوم الثالث من ندوة «خطوط المصاحف» ضمن «دورة المصاحف: تاريخ وخصائص» التي نظّمها مركز المخطوطات ومركز دراسات الخطوط بمكتبة الإسكندرية (5–9 أغسطس 2018)، وقدّمها الدكتور محمد حسن بمشاركة الأستاذ الدكتور بشير الحميري. وتهدف — بجانبيها النظري والتطبيقي — إلى تأسيس الجانب المعرفي المتعلق بـ«باليوغرافيا المصاحف» (Paleography of Qurʼans) وتوضيح الفجوة بين المدارس الغربية والشرقية في هذا المجال. وفيما يلي وثيقةٌ مُنظَّمة لمحاورها الرئيسية، تُتيح قراءتها نصًّا إلى جانب مشاهدتها كاملةً في الفيديو أعلاه.

الهوّة المعرفية: قمة جبل الجليد

بدأت إشكالية التأخر العربي في هذا المجال تتّضح جليّاً مع الضجّة المعرفية التي أحدثتها الباحثة ألبا فيديلي (Alba Fedeli) حين اكتشفت ورقتين عُرفتا لاحقاً بـ**«مصحف برمنغهام» (Birmingham Quran Manuscript)**. ولم يكن هذا الحدث سوى قمة جبل الجليد الذي كشف عن أمرين:

  1. التفوّق الأوروبي الكبير في مجال الباليوغرافيا المتعلقة بالمصحف الشريف.
  2. التأخّر المعرفي والأكاديمي الشديد في مشرقنا العربي في دراسة الكتابات والخطوط المتعلقة بالمصاحف.

والباحثة ألبا تلميذةٌ للمستشرق سيرجيو نوجا نوسيدا (Sergio Noja Noseda)، وهو من أهم المستشرقين الذين تبوّؤوا مكانةً كبيرة في دراسة تطوّر الكتابات القرآنية ونشر كثيرٍ من الرقوق القرآنية (Quranic Parchments) قبل وفاته عام 2008.

المدرسة الاستشراقية ومنهجية فرانسوا ديروش

يُعدّ العالم الفرنسي فرانسوا ديروش (François Déroche) الحجّة الأبرز في هذا الباب؛ وتكمن أهميته في تقنينه عدداً كبيراً من المصطلحات والتسميات عبر مؤلفاته، ولعلّ أبرزها:

  1. Qurʼans of the Umayyads (مصاحف العصر الأموي).
  2. The Abbasid Tradition (التقاليد العباسية).

حاول ديروش في هذه المؤلفات استخلاص «قواعد خطية باليوغرافية» ترصد اتجاهات تطوّر الخطوط بوضوح، وأصّل لفكرته عبر دراسة مجموعة ناصر خليلي (Nasser Khalili Collection) للفن الإسلامي والمجموعات المحفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية (BNF).

مفهوم الباليوغرافيا: هو علمٌ وفنّ قراءة تطوّر الخطوط، وتحديد مكانها والحضارة التي كانت سائدة فيها، مع مراعاة العوامل الكوديكولوجية (Codicology) التي أثّرت فيها، مثل نوع الورق والأحبار والأقلام وطريقة قَطّ القلم.

وقد استوعب ديروش هذه الأسس، فبنى جداول تحليلية (Analytical Tables) للحروف المميّزة في نهاية كل فصل، مما يتيح استيعاب التطوّر البصري للمصحف وتأريخه، بل وتحديد ما إذا كان المخطوط قد كُتب بأكثر من يد.

امتداد المناهج الغربية وتنوّعها

لم تقتصر المدارس الغربية على ديروش، بل ظهرت اتجاهاتٌ جغرافية ومادية متنوّعة، منها:

  • الاتجاه الجغرافي: محاولة تأصيل المصاحف جغرافيّاً (ربطها بمناطق محددة)، مثل دراسات جيريمي جونز (Jeremy Johns) عن «مصحف باليرمو» (Palermo Quran)، ودراسات إلينور (Éléonore) حول «مصحف جامع عمرو بن العاص» بالفسطاط.
  • علم البردي (Papyrology): قام باحثون مثل الدكتور كابيلوني (Capelloni) بدراسة المقاطع القرآنية المدوّنة على صفحات البردي القديمة.

واقع الدراسات في المشرق العربي: إشكالية «القاعدة الهندسية»

في مقابل هذا الزخم الغربي، تتّسم الجهود في المشرق بالتشتّت أو الاختزال. ويُحسب للدكتور بشير الحميري جهده الكبير في «المعجم الرسمي العثماني» (اثنا عشر عاماً من العمل)، لكن على صعيد «الخطوط» نواجه إشكاليةً منهجية.

فالأستاذ الجليل محمد عبد القادر (رحمه الله)، الذي استخرج قاعدة الخط الكوفي المصحفي التي تُدرَّس في مدارس الخط حتى اليوم، وقع في مشكلتين منهجيتين عند تعامله مع المخطوطات عام 1975:

  1. النهج الهندسي: أسّس قاعدةً هندسية صارمة لا تعكس الطبيعة العفوية لحركة البوصة والحبر على الرقوق.
  2. الرؤية التجميعية: جمع أشكالاً متعددة للحرف الواحد (كالألف) من مصاحف متفرقة ودمجها في قاعدة واحدة، متجاهلاً أن لكلّ مصحفٍ قاعدةً خطية وتصميمية (Layout) قائمة بذاتها. (على عكس الغرب حيث تُدرَس قاعدة كل مصحف على حدة، كمصحف «حاضنة المعزّ بن باديس الصنهاجي» الذي درسه الخطاط عامر بن جدّو.)

المستويات المعرفية للتحليل الباليوغرافي

لتصحيح هذا المسار، يجب التعامل مع المخطوط القرآني بمستوياتٍ معرفية بصرية محددة تتجاوز النظرة السطحية؛ فعند تقييم أي صفحة قرآنية تجب دراسة:

  1. تصميم الصفحة (Layout): القطع (أفقي أم طولي)، والأبعاد، والمساحات البينية.
  2. الإحصاء النصي: عدد الأسطر في الصفحة، وعدد الكلمات في كل سطر.
  3. البنية الخطية: بنية الحرف، وسماكته (الصلابة/السُّمك)، وتقطيع الكلمات عبر الأسطر.
  4. العناصر الفنية: التذهيب، والزخارف، ونقط الإعجام، و«التزميك» (Outline — تحديد الكلمة بإطار).

إشكالية المصاحف المنسوبة لعثمان بن عفان رضي الله عنه

لتطبيق هذه المعايير، دعونا نتأمّل المصاحف الستة المنسوبة تاريخيّاً لسيدنا عثمان بن عفان؛ إذ يتّضح من التحليل الباليوغرافي عدم وجود رابطٍ خطي أو تصميمي يجمع بينها، مما ينفي انتماءها لنفس الحقبة أو المصدر:

  1. مصحف المشهد الحسيني / السيدة زينب (القاهرة): يتجاوز وزنه 80 كجم، وعدد أسطره 12 سطراً، ويتميّز بشكلٍ خاص لبعض الحروف مثل «الياء الراجعة».
  2. مصحف دار الكتب المصرية (القاهرة): تختلف بنية حروفه فتظهر أكثر صلابةً وسُمكاً مقارنةً بالنسخة السابقة.
  3. مصحف طوب قابي سراي (إسطنبول): أهداه محمد علي باشا للسلطان العثماني، وحقّقه الدكتور طيار آلتي قولاج (Tayyar Altıkulaç) تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي (مركز إرسيكا / IRCICA)، بمقارنة الآيات بالأسطر ورصد اختلافات الرسم العثماني.
  4. مصحف متحف التاريخ والحضارة (إسطنبول): يختلف كليّاً بصريّاً؛ فالمساحات البينية بين الكلمات واسعة جدّاً، وفيه «التزميك» (Outline) واضح (كتابةٌ بالذهب مع إطارٍ أسود).
  5. مصحف سمرقند / طشقند: يتميّز بحجم خطٍّ ضخم وتصميمٍ مختلف. وقد انتُزعت منه ورقةٌ توجد حاليّاً في متحف المتروبوليتان (Metropolitan Museum)، ويمكن إثبات انتمائها إليه بمطابقة بنية الحرف وتصميم الصفحة (Layout) والمواد المستخدمة (الأحبار والرقوق).
  6. مصحف معهد الدراسات الاستشراقية بسانت بطرسبرغ: مصحفٌ بالقطع الطولي، حُوّلت جميع صفحاته إلى ذهبٍ خالص في روسيا لأغراضٍ دبلوماسية وسياسية.

الحاجة إلى التأسيس المعرفي والمؤسسي

هناك من يدرس المصحف لغويّاً، ومن يدرسه أثريّاً أو تاريخيّاً، وهناك دراساتٌ للنقوش (Epigraphy) وعلم الوثائق والبردي؛ لكنّ الإشكالية تكمن في الاجتزاء وعدم تكامل هذه التخصصات. وهذا الاجتزاء سمح لبعض تيارات الاستشراق (التي تملك أجنداتٍ أيديولوجية للطعن في سلامة النص القرآني، كمحاولاتهم مع مصاحف صنعاء) بالسيطرة على السردية العلمية.

كما أن الفهارس الحالية للمكتبات العربية لا تقدّم جديداً؛ إذ تكتفي بذكر «مصحف من الفترة الفلانية» أو ذكر «حَرْدَة المتن» (Colophon)، دون أي دلالاتٍ باليوغرافية عن تطوّر الخط أو هوية الخطاط أو الشجرة الخطية للمخطوط.

التوصيات المنهجية والمراجع الأساسية: نحن بحاجةٍ ماسّة في السنوات القادمة إلى تأسيس جيلٍ من الباحثين يجمع بين (الكوديكولوجيا، والباليوغرافيا، والرسم العثماني). ولتحقيق ذلك يُنصح بالعودة إلى المراجع التأسيسية التالية:

  • كتاب خطوط المصاحف للدكتور أدهم محمد حنش.
  • رسالة الدكتوراه المتميّزة للدكتور محمد سعيد شريفي (بإشراف د. إبراهيم شبّوح ود. إبراهيم جمعة).
  • إصدارات هيئة متاحف قطر ومتحف الفن الإسلامي بالدوحة، وخاصةً كتابَي قراءة المخطوطات القرآنية ورحلة المصحف الشريف.
  • مقالات فرانسوا ديروش المترجَمة للباحث مراد تضغوط.
  • دراسات الدكتور طيار آلتي قولاج والمطبوعات الصادرة عن مركز إرسيكا (IRCICA).

وختاماً، فإن دراسة الخط الكوفي المصحفي — الذي يتفرّع إلى أكثر من 74 نوعاً (كما رصد محمد آصف فكر) — ليست مجرّد دراسةٍ فنية، بل قراءةٌ في صميم الوعاء المعرفي الذي حفظ حضارتنا، وهو ما يتطلّب عملاً جادّاً لاسترداد الريادة في هذا الميدان.