العودة إلى المقالات تاريخ الفن الإسلامي

فنون العاج في الأندلس

تتناول هذه الدراسة فنون العاج في الأندلس: مادته ومصادره، وأبرز تحفه من الصناديق والعلب المؤرَّخة، وزخارفها وكتاباتها الكوفية، ومكانتها بين فنون العصور الإسلامية.

الفن هو تعبير الإنسان عن ذاته. ودراسة الفنون بشتى أنواعها هي إحدى محاولات الكشف عن تلك الذات, الذي يتمثل في الإبداع الفني والذي بدوره يميز الإنسان في مجتمع ما عن غيره من المجتمعات توفير حاجاته الأساسية من مأكل ومشرب ثم مسكن؛ وبدأ اهتمام الإنسان بصنع تشكيلات وتحف فنية متعددة؛ حيث صنع المجوهرات من الذهب والفضة والنحاس والبرونز؛ كما صنع التماثيل والأقنعة وأدوات أخرى من الطين والفخار, ومن العظم والخشب, ومن العاج. ومن مواد أخرى حصل عليها من بيئته أو

والعاج (Ivory) من المواد النادرة التي استخدمت على مدى واسع منذ أقدم عصور التاريخ. ويرجع ذلك الرئيسي من أسنان الفقاريات عموماً والثدييات خصوصاً وتنتجه الخلايا المولدة للعاج أو أرومة الخلايا السنية في أسنان الحيوانات والإنسان.

وقد برع القدماء في استعمال ناب الفيل وكانت المنحوتات والمحفورات العاجية تصنع أحياناً أو ترسم عليها صور ملونة؛ وكان اللون الأحمر هو المستعمل بوجه عامء إلى جانب اللون البني والأسود والأخضرء واستخدم العاج في صناعات متعددة مثل الخلاخل وأطراف السهامء والصناديقء والأساور. والأمشاطء والأسطوانات المنقوشة والصحاف المسطحة. وصناعة التماثيل الصغيرة للإنسان والحيوان ودبابيس الشعرء

وأيدي السكاكين والخناجر ومقابض المدى والسيوف, والمراوح والسياط ورؤوس حراب الصيد الكبيرة, والتراصيع. وأرجل الأثاث. ورؤوس الصولجانات واللوحات والأواني وفي تطعيم بعض التحف المصنوعة من الخشب كالكراسي والأسرّة ومصاريع الأبواب والمنابر.

ويعتبر العاج مادة ثمينة مطلوبة منذ الحضارات

القديمة في الشرق الأدنى من بلاد الشام وبين النهرين

ومصرء وفي شبه القارة الهندية وجنوب شرقي أسياء وفي بلدان الشرق الأقصىء وفي الصين واليابان خاصة. وتدل النماذج العاجية المختلفة التي وُجِدَت في متاحف العالم على أن الإنسان برع باستخدام العاج منذ القديم لإنتاج قطع منحوتة أو مصقولة ذات قيمة كبيرة في مجال الفنون التطبيقية. وتشير تحريات علماء الآثار ودراسات المنحوتات العاجية إلى أن هناك قطعاً من ترجع إلى عهد الأسرة الحاكمة الرابعة في مصر القديمة رأس شمرا شمال غربي سوريا على قطع فنية من العاج الفينيقيون معهم نماذج من العاج عبر البحر المتوسط من شرقه إلى غربه وتعد جزيرة كريت المركز الذي انطلقت منه صناعة العاج الفنية نحو أثينا والحضارة الإغريقية التي اشتهرت بالمنحوتات الرخامية. وظهر بالذهب لصنع تماثيل الآلهة وغيرها.

تشير الأدلة الأثرية والمصادر المكتوبة إلى أن العاج كان من المواد المنتشرة في المواقع الأثرية لعصور ما قبل الإسلام في الجزيرة العربية حيث ورد في كتابات بلاد الرافدين منذ فترة حضارة أوركء أي نهاية الألف الرابع قبل الميلادء أن السلع التجارية المصدرة إليها من دلمون تشتمل على الذهب والبرونز والنحاس والفضة والعاج ومصنوعات من العاج. وأظهرت أعمال الحفر والتنقيب الأثري في موقع المنطقة الصناعية بتيماء - وهى من المواقع المهمة داخل سور تيماء القديمة - عن الكشف عن مادة أثرية معدنية. ومجموعة من الخرن, وأدوات الزينة المصنوعة من العاج اشتملت على أساور, وقلائد. وأقراط: بالإضافة إلى مجموعة من الأصداف البحرية.

استعمل العاج منذ العصور القديمة في البحر المتوسط, وفي العصر الوسيط في الممالك المسيحية والإمبراطورية الإسلامية. ولقد جُلب من إفريقيا لتزويد الأندلس, وهذا ما يفسر غلاءه وحجزه لصناعة التحف الموجهة

ويعتبر العاج الأندلسي من أعظم التحف العاجية في العصور الإسلامية كافة, وهي تلك القطع المختلفة من صناديق وعلب وأبواق… التي خلفها صُناع وفنانو الأندلس, والتي ترجع إلى القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجريء ومما يزيد من أهمية تلك التحف أن مُعظمها مؤرّخ وعليها كتابات تشير إلى اسم الشخصية التي صُنعت له. كما كانت تحتوي أيضاً على توقيع صانعهاء مما يدل على اعتزاز الصُناع في الأندلس بفنهم واعتدادهم بشخصيتهم, فقد وصلنا من الأندلس مجموعة من العلب والصناديق الصغيرة المصنوعة من العاج, والتي كانت تُستعمل لحفظ الحَلّي والمجوهرات وتسمى (106“لا). وتعتبر خير شاهد على ما حققه الصانع الأندلسي من تقدم في فن صناعة العاجء وما بلغه من رقي في الذوق الفني بصفة عامة. وقد حظيت هذه الصناديق في العصور الوسطى بإعجاب أثرياء أوروباء الذين اتخذوها كذلك لحفظ الحليّ والنفائس, كما كانوا يقدمونها هدايا في الأعراس: وبعد سقوط مدن الأندلس تباعاً انتقلت بعض هذه العلب إما إلى متاحف العالم المختلفة أو إلى الكنائس والأديرة المسيحية. وتعود زخارف التحف العاجية في الأندلس إلى مصدرينء الأول هو الفن البيزنطيء والثاني مستلهم من زخارف العلب الفاطمية والعباسية أو القطع الفنية الإيرانية الراقية. وعرفت عصرها الذهبي ما بين القرن العاشر الميلادي والقرن الحادي عشر الميلاديء ارتباطاً

صندوق المجوهرات كان معروفاً ومستعملاً في اليونان القديم. حيث كان يصنع من مواد مختلفة مثل البرونزء والخشبء والعاج والفضة. وكان يستعمل لحفظ المجوهراتء والمنتجات الطبية؛ والبخور والعطورء ولقد تبنى الفن البيزنطي هذا الشكل قبل أن ينقله إلى الفن الأندلسي.

واتسمت التحف العاجية الأندلسية بالدقة والمهارة, وحازت شهرة عالمية بين الفنون الأخرى في القرون الوسطىء وقد تأثرت زخارف هذه التحف في تلك الفترة بالفن البيزنطي من جهة. وبفنون الزخرفة المتبعة في العصر الفاطميء. من جهة أخرى. وبالتدريج بدأ هذا الفن في الأندلس يتحرّر من التأثير البيزنطي ويستقل بذاته. مجسّداً تحفاً عاجية أندلسية لا مثيل لها. ويتميز العاج الذي يجد النقاش صعوبة في نقش زخارفه عليه, لاسيما الصور الآدمية والحيوانية التي تستلزم دقة في الأداء لصلابته. ولم يكن من السهل الحصول على العاج فهو من المواد الخام التي لا يمكن الحصول عليها من باطن الأرض أو في الصخور المعدنية كالذهب والفضة والحديد والنحاسء أو يمكن استخلاصه من بعض المنتجات الزراعية كالخشب وألياف الكتان والنارجيل: ومصدره قاصر على أنياب الفيل التي لا تتوفر إلا في الهند وجنوب .شرقي أسيا وفي المناطق الاستوائية في إفريقياء وقد اعتبر من المواد النفيسة وذلك لندرته.

وصعوبة الحصول عليه. وكان التجار العرب يستوردون العاج من الهند وإفريقياء حيث كان يتوافر بكثرة. وكان يعتبر من المواد النفيسة, مثل الذهب والفضة: فهو خامة عزيزة المنال: تؤخذ من أنياب الفيلة ويحرص الفنان الصانع على عدم التفريط بأي جزء منهاء أما البقايا الدقيقة من عمل التحف الكبيرة. فكانت تستخدم في التطعيم بشتى أشكاله؛ سواء مع الخشب أو مع المعادن. وكانت التحف العاجية في قصور الأندلس تستخدم في صناعة الصناديق الصغيرة المخصّصة لحفظ الحلىّ والعطور النسائية والنفائس: وكانت أشكالها إما أسطوانية مع غطاء نصف كرويء وإما ذات قاعدة مستطيلة مع غطاء مسطح. أو على شكل هرم ناقص. ويرجع ذلك إلى الازدهار السياسي والاقتصادي الذي عم الأندلس في عصر الخلافة الأموية في قرطبة: وإلى العلاقة التي كانت وطيدة بين قرطبة وبيزنطة في تلك الفترة. وكانت الزخرفة تلك القطع الفنية العاجية تعطي الإحساس بكثافة الزخارف عامة على كل واجهة؛ ومع وصول المرابطين والموحدينء اختفت مثل هذه القطع لتفسح المجال للقطع المطعمة والعاج المصبوغ, أما الأشكال الزخرفية فتضم الأشكال النباتية التي تحيط برسوم حيوانات متواجهة أو متقابلة مثل الطواويس, والغزلان: والطيور أو مشاهد استرخاء وبشراب.

وعلب المجوهرات لا تخالف المتعارف عليه في شكل الزخارف النباتية الأندلسية. فنجد أشكال غصون وسعفات وأوراق مشعة ومتقابلة. ونجد بين هذه الزخارف النباتية الكثيفة والمتقنة رسم أربعة أزواج من الغزلان المتقابلة: تعلوها أربعة طواويس رشيقة متقابلة ذات عرف مختزلء وفوق ذلك. عصافير متناقضة برؤوس متجهة للخلف ومتقابلة. تمثل الزخرفة المكونة من زهيرات ذات أربع أو ست بتلات مع زر في وسطهاء وتلك هي العناصر المميزة للفن الكلاسيكي في قرطبة, هذه الزخرفة نحتت بالسلك ورأس المنقاشء, وتبدو الأغصان محززة والأوراق مشطوفة: وهذا النوع من الزخرف الذي يجمع بين الأشكال النباتية والحيوانية كان يستعمل في الأغلب على قطع مُصنعة لنساء العائلة

المالكة والأمراء. فزين الغطاء على قاعدته بكتابة كوفية وزخرفة نباتية تحيط برسوم حيوانات متقابلة, وهناك نقوش تخبرنا أن هناك قطعاً كانت بأمر من الخليفة الحكم الثاني لزوجته المفضلة صبح. والدة الأميرين عبد الرحمن وهشام. وانتقلت تلك العلبة إلى كاتدرائية زامورا. لذلك سميت صندوق زامورا وقد نقش على غطائتها بالخط الكوفي ما نصه: بركة من الله للإمام عبد الله الحكم المستنصر بالتثه أمير المؤّمنين مما أمر بعمله للسيدة أم عبد الرحمن على يدي دري الصغير سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة. و دري المذكور هُنا كان مشرفاً على بعض شوؤون البلاط وأصله من الصقالبة السلاف. وقد لقي حتفه بأمر من الحاجب المنصور بن أبي عامر بعد مشاركته في ثورة الصقالبة في عهد الخليفة هشام الثاني بن الحكم المستنصر.

على شكل أبواق الصيدء وقد نقشت على أبدانها صور أرانب وظباءء وكانت الأبواق تصنع من خلال قطع الطرف المدبب من النابء: ثم يجوّف ويزخرف سطحه في صناعة أحجار لعبة الشطرنجء؛ ومقابض السيوفء. والصولجان؛ وفي تطعيم خشب الأبواب ومنابر الجوامع, وكانت تلك العلب تتخذ عدة أشكال: بعضها مستطيلة ولها غطاء مُسطح أو هرمي الشكلء وبعضها الآخر أسطواني ذو غطاء مُستو أو مقببء كالعلبة التي نحن

بصّددهاء المعروفة بعلبة مُجوهرات المغيرة نسبة إلى المغيرة بن عَبد الرحمنء أصغر أبناء الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر لدين الله. والتي صنعت في مدينة الزهراء شمال غربي قرطبة سنة 357ه/ 968م, ويبلخ قطرها ثمانية سنتيمتراتء وارتفاعها حوالي خمسة عشر سنتيمتراًء وهي الآن من مقتنيات قسم الفنون الإسلامية بمتحف اللوفر.

كان الغرب اللاتيني يبحث كثيراً عن هذه العلب. حيث كانت تستخدم في ممارسة الطقوس الدينية ولحفظ القربان أو في الطقوس الدينية خلال الفترة الزمنية التي كانت الطقوس الدينية فيها تحتل مكانة كبيرة. كما أن طابعها الثمين والمدونات الغامضة التي كانت تحملها ساهمت في إعطائها هذه الأهمية. وهناك عدد كبير من الصناديق والعلب الأندلسية التي ما زالت ترتبط بها أسماء مبان مسيحية على غرار علبة كاتدراتية زامورا -التي تحدثنا عنها- وكاتدرائية براغا (البرتغال) وصناديق كنيسة فيتيرى (مقاطعة نافار) وكاتدراتية بالنثيا وأديرة لير وسيلوس. كان هذا الدير الأخير يحتوي على لوحة مطلية بالميناء تصور القديس دومانغ دي سيلوس بين ملاكين حيث يظهر الفن الإسلامي وكأنه يحتل مكان الفن الروماني وأن النقوش العربية واللاتينية أصبحت متقاربة, وطغت الكنيسة عموما على الأعمال التي استخدم فيها النحاتون العاج في أوروباء فعمدوا إلى صنع التماثيل للسيدة مريم العذراء وللسيد المسيح والصولجانات, إضافة إلى الرموز الدينية المختلفة التي تجسّد المقدسات في الكنائس والقصور. وتجدر الإشارة إلى أن القطع الفنية العاجية الخالصة أو المرصعة بالعاج المشتملة على زخارف هندسية عربية والمحفوظة في كثير من المتاحف الأوروبية. ترجع عموماً إلى أصول عربية إسلامية نُقلت إلى أوروبا عن طريق صقلية أو

الأندلس أو بعض تجار الآثار.

وتمتاز زخارف العاج باقتران التفريعات النباتية مع رسوم الحيوان والطير يبدو عليها الحفر البارز الدقيق

والرسم ذو الخطوط الليّنة في رسم التفريعات والحيوان والطير. وفي متحف الفن الإسلامي علبة أسطوانية من العاج مسجلة برقم 15443 محفور عليها زخارف نباتية بارزة وطائران كبيران متقابلان تحيط بهما الزخارف النباتية, وتحلي بدن العلبة الأسطوانية شرائط مفصّصة متقاطعة تحصر الطائرين وفي خارج تقاطع الشريطين من أعلى طائر مد جناحيه. ومن أسفل حيوان يشبه الغزال. وجدار الغطاء مزيّن بورقتين نباتيتين في شكل زخرفي متكررء أما سطح الغطاء فيحيط بحافته شريط منقط مثل الذي على البدن وفي الوسط فرسان متقابلتان ترفعان الأرجل الأمامية على قاعدة من التفريعات الجميلة. ويحيط بالفرسين شريط دائري مضفر. وفي الفراغ بين هذا الشريط والشريط المنقط حيوانات تعدو على قاعدة من التفريعات النباتية وكل هذه الرسوم على مستويين بالحفر البارن.

ويمتلك متحف مدريد مجموعة نادرة من علب العاج الأندلسية التي اشتهرت المدن الأندلسية المختلفة بإنتاجها لتلبية طلبات بلاط قرطبة بشكل رئيسي. ومن أقدم هذه التحف العاجية صندوق صغير كان في كنيسة سان إيسودورو وقوام زخرفته رسوم طيور وحيوانات بعضها خرافي محصورة داخل مناطق مستديرة تتألف من .شريط مجدول. ونظراً لبساطة زخرفتها فهي تنسب للقرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. وبالمتحف أيضاً علبتان مستطيلتان من العاج صنعتا في مدينة الزهراء. المدينة الملكية قرب قرطبة في عام (355ه/ 6م. وقد نقلت الأولى للمتحف من دير فيتيرو بمقاطعة (نافار) وكتب عليها بالخط الكوفي بسم الله بركة من الله ويمن وسعادة وسرور ونعمة لأحب ولادة مما عمل بمدينة الزهراء سنة خمس وخمسين وثلاث مائة عمل خلف. والعلبة الثانية أيضاً باسم ولادة ومن عمل ذات الصانع خلف. وولادة المعنية هنا هي الحكم المستنصر أصلها من إقليم الباسك البشكنس, وتسرّى بها الخليفة فأنجبت له ولده وولي عهده هشام وفرح الخليفة بهذا الحادث السعيدء ورغم ذلك ظلت أم

ولدء ولكنها كانت صاحبة الكلمة في بلاط قرطبة حتى إن المصادر الإسبانية تطلق عليها السلطانة صبح. ويبدى أن هاتين العلبتين كانتا من ضمن هدايا أمر الحكم المستنصر بصناعتها بمناسبة مولد ابنه هشام, ولذلك كان الإهداء لأحب ولادة. والعلبة يبلغ قطرها حوالي عشرة سنتيمترات وارتفاعها ثمانية عشر الفضة مَطلية بالمينا السوداء. تتألف زخارف العلبة من أفرع نباتية منسقة بأسلوب زخرفي متنوع الأشكال ما بين ورود ذات عشر بتلات: سيقان مجدولة؛ زهور وصنوبريات. يتخللها رسم لأربع أزواج من الغزلان تعلوها أربعة طواويس ملكية ذات عرف مختزلء فوقها عصافير بروؤّوس متجهة للخلفء. فإذا دقق المرء النظر رأى الطواويس والعصافير والغزلان تخرج من النباتات كأنها حَية. وقد جاءت الزخارف النباتية مع الحيوانية

لتمثل ترديداً بصرياً رائعاً وكثيفاً يلفت النظر.

ومن تحف العاج المهمة بمتحف الآثار بمدريد صندوق صغير كانت تحتفظ به كاتدرائية بلنسية (فالنسيا)ء وهو من إنتاج مدينة قونكة التي كانت تحت سيطرة مملكة

أسرة ذي النون حكام طليطلة. وهي تمتاز بزخارفها

المحفورة حفراً غير غائر والمحورة عن الطبيعة؛ وقد سجل على غطاء العلبة بالخط الكوفي ما نصه بسم الله الرحمن الرحيم بركة دائمة ونعمة شاملة وعافية باقية وغبطة طائلة وآلاء متتابعة وعز وإقبال وإنعام واتصال وبلوغ آمال لصاحبه أطال الله بقاه مما عمل بمدينة قونكة بأمر الحاجب حسام الدولة أبو محمد إسماعيل بن المأمون ذي المجدين ابن الظافر ذي الرئكاستين ابن محمد ذي النون أعزه الله في سنة إحدى وأربعين وأربع مائة. عمل عبد الرحمن بن زيان. وهناك أيضاً صندوق من الخشب المطعم بالعاج وبه زخارف قوامها كلاب صيد متقابلة وعلى غطاء الصندوق نقش بالخط الكوفي يوضح أن الصانع هو محمد بن السراج.

وهناك أيضاً علبة من العاج الأندلسي آلت لملكية كنيسة ليير بإسبانياء وقد أنتجت هي الأخرى في فترة الحكم المستنصر بأمر من رجل الأندلس القوي الحاجب المنصور بن عامر بعد انتصاره على مملكة ليون ويظهر أنها كانت من بين هدايا قدمت للسيدة صبح زوجة الخليفة. والصندوق مستطيل الشكل وله غطاء على شكل سقف محدب. وهناك شريط مضفر غير منقطع يسطر واحداً وعشرين منطقة زخرفية ثلاث عشرة منها فوق الغطاء وعشر حول جسم القطعة؛ وتُحيط بتلك المناطق

زخارف نباتية وطيور وحيوانات ورسوم آدمية تسجل

جميعها مناظر من حياة البلاط وأنشطة الأمراء كالصيد والقنص والطرب والشراب. عملوا في زخرفة الصندوق بالرسوم والكتابات من

ابرزهم خلف وسعيد ورشيد2. واللافت ان

الصندوق يحمل بين نقوشه ما يعتقد أنه رسم للخليفة الحكم الثاني وهو جالس على كرسي العرش المزدان رجل مكشوف الرأس وبشاربين كبيرين.

ويحتفظ متحف الفن الإسلامي بالدوحة بمقلمة من العاج مستطيلة الشكل ذات غطاء بمفاصل مصنوعة من كتلة صلبة من العاجء وهي منقوشة برمتها بمشاهد صيد وقتال الحيوانات. وعلى الغطاء مشهد آخر يمثل أربعة فرسان يمتطون جيادهم وثمة كتابة بالخط الكوفي على قاعدة الغطاء من الجهتين الأمامية والخلفية للمقلمة. وقد تم تعديل المقلمة ربما في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي لتزويدها بمحبرة زجاجية, ومن المحتمل أن يكون ذلك عندما طلي جسم المقلمة برمته بورنيش داكن اللون. ونص الكتابة عليها: بسم الله الرحمن الرحيم بركة من الله ويمن وسعادة وغبطة وسرور وعافية كافية ونعمة صابغة وعالية ونعمة متصلة لصاحبها مما عمل في .شهر ربعة الأول وذلك في سنة أربعة وتسعين وتلاث مائة سنة.

وكان الخط الكوفي القديم هى المشترك في كل تلك المجموعة من الصناديق والتحف العاجية؛ وقد انتشر الخط الكوفي مع بعثة الفاتحين العرب. ووصل الخط إلى العاصمة الجديدة القيروان في عصر بني أمية, وفي القيروان وقع استخدام الخط الحجازي والكوفيء ثم

استقلوا بالكوفي المنسوب للقيروان (الكوفي القيرواني ذي الحروف المستطيلة المزواة). وفي الأندلس وقع استعمال الخط الشامي إلى جانب الخط القيرواني في مصاحفهم ورقاعهم ومراسلاتهمء وقد تقبّل الخط القيرواني فطوّروه وأدخلوا عليه ليونة جديدة جيدةء ميزته عن المألوف وولدوا خطاً أسموه بالخط الأندلسي أو القرطبيء بالرغم من أن المسلمين الأولين كانوا يكتبون بالخط المشرقي إن ظهور الخط الأندلسي في العهد الأموي كان مظهراً من مظاهر استقلالهم عن المشرقء يقول ابن خلدون: وتميز ملك الأندلس بالأمويين: فتميزوا بأحوالهم في الحضارة والصنائع؛ وتميز صنف خطهم الأندلسي كما الكوفي إلى جانب هذا الكم من الزخارف النباتية والحيوانية. خير شاهد على عبقرية الفنان المسلم, وانتشار الخط العربي وتطبيقاته المختلفة وفق جغرافيا فسيحة مازالت الأيام والشواهد الأثرية تكشف عنها

٠ كتالوج معرض الحرير والعاج مريم روز أوين: المجلس الوطني للثقافة والفنون بالدوحة؛ الدوحة, 2004م.

  • الفن الإسلامي بين المساجد والقصورء تيم ستانليء ترجمة محمد خليلء مطبوعات فيكتوريا وألبرت, لندن 2006م.

  • تاريخ مدينة المرية الأندلسية في العصر الإسلاميء دراسة في التاريخ السياسي والحضاريء محمد أحمد أبى الفضل, الإسكندرية, 1996م.

  • دراسات في تاريخ وحضارة الأندلس: محمد أحمد أبو الفضل, 1996م.

٠ التحف العاجية في العصر الأندلسي… لا شيء يدوم إلى الأبد. محمود يوسف خضرء جريدة الحياة, عدد 15/37.

٠ القنطرةء. التراث المتوسطي.

٠ علب العاج لحفظ حلي ربات الصون والعفاف في بلاط قرطبة, الدكتور أحمد الصاويء جريدة الاتحاد. الصادرة في